شيءٌ ما كانَ يتشكّل في المُخيّلة.. | Mjd

شيءٌ ما كانَ يتشكّل في المُخيّلة..

1970595_10152350948729312_28933525_n

شئٌ ما كان يتشكّلُ في المخيّلة ، أو يلد في الذاكرة ولكنّه يعصِفُ بالرأسِ بلا هوادة فلا يُمكن للجبلٍ أن يُسرِّبَ ما زاد عن قدرةِ روحِه دمْعًا فليس هُنالك حدًّا لطاقته ، أو أنْ يعاني مِن انفلونزا حادّة يصاحِبها صُداع شديد ،ويئن ويتأوّه ، أو قد يصلُ الأمر إلى أن يلزمَ فراشه ولا يعُد قادرًا على الحركةِ ويفقد الإحساس بأطرافِه فيستعينُ بجاره في السلسلة الجبليّة على قضاءِ حاجاته فيقومُ بدءً مِن إطعامه بالملعقة انتهاءً يإغلاق أزرار قميصه ، لا لا ،لا أتوقّع أن تهتزّ فيه شعرة ، أبقدرته أن يُعاكِس اعتقادنا الراسخ وصورته المتجذّرة فينا بأنّه صلب قوي البنية ذا طولٍ خيالي ويهوي إلى السقوط ؟! ، هكذا كنتُ أفكر بـ “أبي” طوال 23 سنة عشتُ فيها تحت جناحه ، أبي الذي لم ترْهبه فكرة السجن والسجّان والعِناق الأخير للحرّية ، ولم تهزّه الصعقات الكهربائية التي كان يسلّطها جلاديه عليه ، ولم يخَف مِن النوم في زنزانة لربمّا لا تتّسع طول جسده ممدّدًا ولمْ يُعطِ بالًا لنوعيةِ وجودةِ الطعام المقدّم في السجْن أو للحنين لأكلات جدّتي “تمام” ذائعة الصيت ، لم يفكّر بعمرِ الشباب الذي ستنْهشه عتبات و صُدور الزنازين، لم يشْغله حساب كمِّ المُؤبدات التي صدرت في حقّه وكمْ تساوي مِن السنين ، ولا أحلامه التي أُعدمت بدُون رأفة ، أبي ذلك الرجل الذي برمج عقله على الموت في السجن ولم يضع احتمالًا لو واحدًا في حسْبانه بأنْ تنجح صفقة لتبادل الأسرى ويشار إلى إسمه بالإصبع للخروج فيها ، يا إلهي ! إثنان في واحد ، لا ، هذا مستحيل ” نجحت الصفقة وأنا ضمنها” ، حين جاء موعد ولادتي لم يكُن أبي يمسكُ بيد أمّي ويشدّ عليها ولم يستطع أن يُؤكد لها أنّه بجانبها ، هو أراد ذلك لكن الجلاد لم يُتح له ، لا أذكر أنّني شرعت لكوي ملابسي فأبي كان حاضِرًا ورهن إشارتنا جميعًا دون استثناء ومع أنّه يجوز أن لا يحتاج الكوي لفن ولكنّه كان فنّان في اتقان أيّ عمل يوكل اليه ، عندما تكون أزرار قمصاني أيلة إلى السقوط هو مَن يثبّتها ، وهو الذي لا يتركني وحيدة حتى حين يكون دوْري في الجلي فيكون بجانبي أنا أجلي وهو يتناولها منّي ليغسلها بالماء الذي يشبه تمامًا قلبه الشفّاف ، أبي الذي لم يترك شيئًا إلا وعليه بصمته ، فعادة أمّي أن تجهّز طعام الغذاء في مساء اليوم السابق أو وقت طلوع الفجر قبل خروجها للعمل وبما أنّها تعود إلى البيت الساعة الثانية ظهرًا فيقوم أبي بعمل الأطباق الثانوية كالأرز والسلطة والبطاطا المقلية إن لزم الأمر ، كم كنت أنتظر يوم طبيخ البامية ليس لمحبّتي بالبامية ولكن لصحن السلطة المدقوقة بالفخارة التي يبدعُ بعملها أبي ، مذاقٌ لا يُضاهيه آخر ولذّة لا تفوقها لذّة ، حينها أتنبّه لأصابعي خطر الالتهام ،إضافة إلى يدِ أبي الممتدّة في كل مكان ، تجدها تسحبُ ما وضعته أمّي من ملابس في الغسّالة وتقوم بنشرِها وكلّ ذلك بإخلاصٍ ودقة متناهية ، ما انتقص مِن حرّيته جرّعنا إياه ففاض فينا ، سنوات طفولتي ومراهقتي وشبابي لم يتبادر لذهني لو لمرّة واحدة أنّ بوسع هذا الرجل ” أبي ” أن يضعف ، وماذا إن ضعف ؟ ما نتيجة ضعفه؟ ، حتمًا سيُحدث زلزالًا يفتِك بالأخضر واليابس ويقلِبُ الحياة رأسًا على عقب ، لا أمتلكُ طاقة حتى وإن كانت قصوي تجعلني أتحمّل أن يشعر أبي بالاكتئاب ،وماذا إن ساءت حاله وأخذ جانبًا وانعزل وهو الذي ينضح حياة وتشارك ، وماذا إن ساءت أكثر وابتلع لسانه وهو الذي لا يقوى على الصمت فهو متحدّث بطبعه ، أعرف يا أبي كم هو صعب وقاسي أن تكبّر وتعلّم وتربّي وتسهر الليالي وتتعب لنقف شبابًا أمامك ،ولكن بين طرفةِ عين وانْتباهتها طارت عصافيرك وحطّت في بلادٍ غير بلدك التي تسكنك ، وأعرف أنّه يصعب على عيونكَ أنتَ وأمّي بعدما اعتادت على رؤيةِ خمسة أبناء الآن يجب عليها أن تطرد أربعة مِن الصورة ، أعرف أن البيت سيغدو أقلّ ضجيجًا وحركة ،وكُلّ الأصوات ستعْلو فوق صوْتنا فلن يعُد أحد يتجادل مع الآخر ليحظى بأخذ “روموت” التلفزيون ليضع القناة التي يحب ويشاهد مسلسله الخاص ،ولن تسمعَ خطواتِ السرقة الليلة المتوجّهة للمطبخ وتحديدًا للثلاجة وأخذ ما طابَ من فاكهةٍ مختارةٍ من يديْن أبي بدقّة وعصيرٍ طبيعي تكُون أمّي أعدّته نهارًا فأمّي تموتُ حبًا بكل شيءٍ صحي وذلك لطبيعةِ عملها ، وقد نتسبب في فقدانكما شهية النوم لحجمِ الضوْضاء التي نُحدِثها على مواقع التواصل الاجتماعي مِن الضغط على أزرار لوحة المفاتيح حدّ التمتمة بصوتٍ مرتفع لكلِّ حرفٍ نكتبه، وإذا جنّ جنوننا فجأة لنهبّ راقصين على موسيقى صارخة ،ولم تعُد بحاجةِ الطابق الثاني للصبايا أو غيرهم حتى أنَّ الطابق الأول أصبحَ فضفاضًا عليكم ، أيْقنُ أنّ الحياة ليست عادلة ألبتة ولكنّي أتوقُ لأن أكونَ سببًا في سعادتكما ، أبي ذلك الاحتضان الخجول البعيد الذي يضجّ قُرْبًا وقلْبًا ، أبّي كُلّ الحكاية وكلّ المعاني ودقّتها ، أبي سرُّ الرواية وإيقاعُ القصيدة ولا أريدُها أنْ تنتهي ، يالله مدّ مِن عمره عمرًا مفعمًا بصحّة وعافية.
أحبّك يا قُدوتي :* .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: